فروع الديداكتيك - awrakpress

Header Ads

فروع الديداكتيك

يعود إلحاحنا على  التذكير بالديداكتيك كتخصص مستقل إلى عدة أسباب، لعل من أهمها مدى الاضطراب الذي يعرفه التأليف في هذا الميدان. إذ ما تزال تؤلف كتب وترد علينا أخرى من العالم العربي وغيره،  في مواضيع  هذا العلم دون أن تتضمن وعيا واضحا وصريحا باستقلاله’ أي  دون أن تكون مدركة لحدود التخصص الذي تؤلف له. فنلاحظ أنها  ما تزال حائرة مترددة بين مختلف فروع التربية، فمنها ما يتحدث عن أصول التدريس  وطرقه، ومنها من يذكر التربية العملية أو التربية الخاصة أو التربية الميدانية أو التطبيقية وغيرها من الأسماء، مما يفقد هذا التخصص مصداقيته ويجعل مواضيعه مشتتة بين علوم التربية جميعها.هذا فضلا عن وجود العديد من الباحثين اللذين لم يتوقفوا لحد الآن عن الحديث عن التدريس باعتباره فنا، ولم يهتدوا أليه كعلم  تطبيقي له قوانينه ويتطور حسب مبادئ ومناهج خاصة.

لذلك فإننا نعتقد أنه قد حان الوقت لإدراك حدود هذا العلم في انفصالها وفي تقاطعها مع  بقية فروع التربية.
وحسب لوجندر Legendre R.  في"القاموس المعاصر للتربية" ،يجب التميز في كل تعريف للديداكتيك، . بين ثلاثة مستويات:
*الديداكتيك العامة : وهي التي تسعى إلى تطبيق مبادئها وخلاصة نتائجها على مجموع المواد التعليمية وتنقسم إلى قسمين:القسم الأول يهتم بالوضعية التعليمية، حيث تقدم المعطيات القاعدية التي تعتبر أساسية لتخطيط كل موضوع وكل وسيلة تعليمية لمجموع التلاميذ ؛والقسم الثاني يهتم بالديداكتيك التي تدرس القوانين العامة للتدريس ، بغض النظر عن محتوى مختلف مواد التدريس.
*الديداكتيك الخاصة : وهي التي تهتم بتخطيط عملية التدريس في ارتباطها بمختلف المواد الدراسية. . 1988. Legendre.R) . (
وهكذا ينبغي أن نميز داخل هذا العلم على الأقل ، بين فرعين مختلفين ومتكاملين في آن واحد وهما:
علم التدريس العام (الديداكتيك العامة).
علم التدريس الخاص( الديداكتيك الخاصة).
"يقصد بعلم التدريس العام مجموع المعارف التعليمية القابلة للتطبيق في  مختلف  المواقف ولفائدة جميع التلاميذ".
في حين يقصد بعلم التدريس الخاص "الاهتمام بالنشاط التعليمي داخل القسم في ارتباطه بالمواد الدراسية، والاهتمام بالقضايا التربوية في علاقتها بهذه المادة أوبتلك.فنقول علم  التدريس  الخاص بالرياضيات وعلم ا لتدريس الخاص بالتاريخ...".والذي يسمى في الادبيات التربوية الفرنسية بديداكتيك المادة الدراسية: didactique de la discipline  و يهدف إدراج المادة الدراسية ضمن اهتمامات الديداكتيك إلى ما يلي:  
  أولا: إبراز المنظور الديداكتيكي الجديد للمادة الدراسية. وهو منظور لا يقف عند حدود التصنيف السطحي للمادة، وإنما ينتقل إلى مستويات أكثر عمقا وأهمية.
ثانيـا: تغيير النظرة التي تعتبر أن المادة الدراسية معرفة مسبقة ونهائية معطاة لنا بهذا الشكل أو ذاك، ولا مجال لتغييرها أو استبدالها، رغم شعورنا بقصورها ومحدوديتها أمام الزحف الهائل من المعارف المتجددة في عصرنا. ويعتبر الشخص المختص عادة، في مادة من المواد ، هو المؤهل لتصنيفها وإدخال التعديلات الضرورية عليها. أي أن انتقاء وترتيب ما ينبغي تعلمه من طرف التلميذ من معارف لغوية إنما هو من شأن المختص في اللغة، وما ينبغي تعلمه في الرياضيات هو من شأن المختص فيها، وهكذا.  
إن دراسة المادة التعليمية، التي هي موضوع الديداكتيك الخاصة. إنما تتم انطلاقا من بعدين:
- بعد ابستمولوجي يتعلق بالمادة في حد ذاتها، من حيث طبيعتها وبنيتها، ومنطقها ومناهج دراستها.
- بعد تربوي مرتبط بالأساس بتعليم هذه المادة وبمشاكل تعلمها.
لذا تعتبر الأسئلة التي تدور حول طبيعة المعرفة وحول نشاط الفرد المتعلم في مادة معينة أو في مجموعة من المواد، حول العمليات الاستنباطية والاستقرائية عند تهيئ معرفة معينة –تعتبر هذه الأسئلة مهمة جدا بالنسبة للديداكتيكي. لأن من واجبه أن يعيد التفكير في عمله، وأن يقوم بجرد للمكونات الحقيقية أو الممكنة التي هيأت لتكون مادته، وذلك لفهم معناها في الوقت الذي يشرع فيه في التأمل المنهجي حول عملية تبليغ هذه المادة.
ولا يمكن على هذا الأساس وفي إطار ديداكتيك المواد الدراسية أو ما كان يسمى خطأ التربية الخاصة بالمواد، تصور أي عمل ديداكتيكي دون أن يكون هذا العمل مرتبطا بمادة تعليمية معينة. وهذا لا يتعارض مع القول بالديداكتيك العامة التي نسعى إلى جعلها مجالا معرفيا مستقلا يهتم بدراسة العناصر المشتركة بين المواد الدراسية، من حيث تعلمها وتعليمها، وما يرتبط بذلك من مجالات وقضايا. لذا دعونا و منذ اواخر السبعينات إلى القيام ببحوث في الديداكتيك النظرية حول مواضيع مشتركة بين تدريس المواد الدراسية، تؤسس ما نسميه بعلم التدريس .)محمد الدريج ،  2004 .(

هذا ولا ينعدم إلى الآن ، من يرفض هذا التمييز بين الديداكتيك العامة والديداكتيك الخاصة ، بدعوى أن علم التدريس العام يمكن أن ينحل في نهاية  المطاف ويتلاشى  في علم التدريس الخاص.ولنا كمثال على هذا الرفض" قاموس المفاهيم الاساسية للديداكتيكات" الذي اشرف على انجازه ايف روتير Yves Reuter   (2008) .والذي يرفض الحديث عن الديداكتيك العامة ويتحدث عن الديداكتيكات الخاصة والتي ترتبط بمختلف العلوم ومختلف المواد الدراسية السائدة في الأنظمة التعليمية .
لكننا نعتقد في ضرورة الفصل بينهما على النحو التالي:
إن علم التدريس العام يعالج القضايا المشتركة والإشكاليات العامة، أي يدرس العملية التعليمية في مجملها وبغض النظر عن المادة الدراسية المقررة.ويحاول وضع ا لفرضيات واستخلاص القوانين وصياغة النماذج التي يمكن أن تفيد المدرس مهما كان تخصصه ومهما كانت ا لمادة التي يدرسها.
إن التوجه الذي نلاحظ داخل كل  تخصص(أي  في كل مادة دراسية) نحو  العناية الفائقة بمواضيع هذا التخصص و بإشكالياته وذلك على حساب مواضيع وإشكاليات غيره من التخصصات ، نقول إن هذا التوجه يتعارض مع أهداف علم التدريس  العام والذي يهتم بكل ما يسعى إلى التكوين  بشكل عام وإلى إدماج شخصية المتعلم في جميع أبعادها ومكوناتها.في حين يركز علم التدريس الخاص (ديداكتيكية المواد الدراسية) وفي إطار العملية التعليمية على المقتضيات الخاصة بكل  مادة .
على أن هذا التمييز ينبغي ألا يحجب عنا  ما بين علم التدريس و بقية  علوم  التربية من روابط.إنه يبقى،ومهما كان من أمر استقلاله، فرعا من فروع التربية وعلما من علومها.فلا يمكن أن ننظر إليه بالتالي بمعزل عن هذا السياق.إن التدريس الذي يشكل موضوعا لهذا العلم، الحديث نسبيا، لا يتم بمعزل عن هذا السياق، كما لا يمكن أن نجرده من دوره التربوي.
إن التدريس الذي يشكل موضوعا  لهذا  العلم، الحديث نسبيا، يتم في المدرسة والتي  لا يقتصر دورها، كما هو معلوم، على  التلقين ومساعدة التلاميذ على تحصيل ا لعلوم والفنون، بل إنها تطمح، بالإضافة إلى ذلك، إلى تربية شخصيتهم  من جميع جوانبها وتعمل  على  تكوينهم جسميا ونفسيا وخلقيا، لتيسير اندماجهم في المجتمع.
ثم هناك مسألة أخرى يجب التنبيه إليها وتتعلق بالآثار المحتملة لهذا العلم على مواقفنا وفي ممارستنا.إن هذا العلم، وكغيره من العلوم التطبيقية، يؤسس نماذج و نظريات  تعليمية تستدعي  التطبيق. إن النماذج والنظريات التي يصوغها علماء التدريس ، هي من طبيعة  تطبيقية ومعيارية لذلك يكون من الضروري إخضاعها للتمحيص والاختبار ، على أن تقاس  نتائج التمحيص بمقياس الواقع.

محمد الدريج 

ليست هناك تعليقات